لم تمر أيام على وقف إطلاق النار في لبنان حتى حدث ما لم يكن بالحسبان: سقوط نظام بشار الأسد بشكل درامي، ليس أمام "ثورة شعبية"، بل أمام مسلحي هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، الذي تحول بين ليلة وضحاها من "إرهابي مطلوب دوليًا" إلى "رئيس شرعي لسوريا الجديدة" تحت اسم جديد: أحمد الشرع. لكن المفاجئ لم يكن فقط وصول الجولاني إلى الحكم، بل موقفه الأول بعد إعلان "النصر"، حيث سارع إلى طمأنة إسرائيل، مؤكدًا أن نظامه الجديد لا ينوي الدخول في أي صراع معها! كان هذا الإعلان كافيًا لكشف طبيعة المشروع الذي حملته تلك الجماعات منذ أكثر من عقد، حيث لم يكن الهدف تحرير سوريا، بل تمهيد الأرض لإسرائيل وأدواتها. ورغم هذه التطمينات، لم تكن سوريا بمنأى عن العدوان، إذ بدأت الطائرات الإسرائيلية بقصف المستودعات والمطارات ومراكز الأبحاث، في حين وصلت الدبابات الإسرائيلية إلى مشارف دمشق، في مشهد يعيد إلى الأذهان نكبات سابقة، لكن هذه المرة بمشاركة قوى كانت تزعم أنها تحارب "الاستبداد" و"الاحتلال".
لكن الأخطر من كل ذلك هو ما بدأ يحدث داخل سوريا بعد سيطرة هذه الجماعات على الحكم. فما إن سقطت دمشق حتى بدأ مسلحو "جيش سوريا الجديدة" الذين يدّعون أنهم "أحرار سوريا" بتنفيذ عمليات تطهير عرقي ومجازر مروعة بحق المدنيين، تحت ذريعة تصفية "فلول النظام". لكن الحقيقة أن الضحايا لم يكونوا جنودًا ولا مقاتلين، بل آلاف الأطفال والنساء والعجزة والشباب، الذين لم يكن لهم أي ذنب سوى أنهم ينتمون إلى طوائف أخرى، سواء كانوا علويين أو مسيحيين أو شيعة.
في مشهد أعاد إلى الأذهان أسوأ فصول الإرهاب، باتت المدن السورية مسرحًا لمجازر وحشية، تُرتكب تحت راية "تحرير سوريا"، بينما لم تُطلَق رصاصة واحدة على الدبابات الإسرائيلية التي كانت تجتاح البلاد! هؤلاء الذين تغنّوا لعقد من الزمن بشعارات الثورة والحرية، لم يجدوا سلاحهم إلا موجّهًا إلى صدور أبناء وطنهم، يذبحون ويقتلون بلا رحمة، بينما يقفون صامتين متخاذلين أمام الاحتلال الإسرائيلي وهو يرفع علمه في عمق الأراضي السورية.
هذا المشهد يكشف بوضوح الهدف الحقيقي لهذا المشروع: إسرائيل لا تحتاج إلى قتال مباشر إذا كان هناك من ينفذ مخططاتها من الداخل. وهكذا، تحوّل من كانوا يزعمون أنهم "يجاهدون ضد الظلم" إلى أدوات وظيفية في خدمة الاحتلال، ينفذون أجنداته بدماء السوريين الأبرياء.





